AR | FR | EN
2026/03/03

قراءة في المستجدات التشريعية لوسائل الإثبات في ضوء القانون 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية

بقلم الأستاذ: عبد الكريم أوالحاج محام بهيئة مراكش مقدمة: يعتبر نظام الإثبات الجنائي حجر الزاوية في تحقيق المحاكمة العادلة، فهو الميزان الذي يوفق بين حق الدولة في العقاب وصيانة حريات الأفراد. وانطلاقاً من مبدأي "حرية الإثبات" و"الاقتناع الصميم للقاضي"، جاء القانون رقم 03.23 بمستجدات نوعية تروم سد الثغرات القانونية وتأطير الممارسات القضائية التي كانت تثير إشكالات حقوقية وعملية، خاصة ما يتعلق بشهادة متهم على آخر، وحجية محاضر الضابطة القضائية، وشهادة الموظفين المكلفين بمهام الاختراق. أولاً: مرتكزات التعديل (الأسس القانونية والفلسفية) تستند التعديلات الجديدة إلى مرتكزات جوهرية تهدف إلى تعزيز الثقة في العدالة الجنائية، وأبرزها: 1. المبدأ الكوني لقرينة البراءة: وذلك من خلال تضييق الخناق على الأدلة "الظنية" أو التي قد يشوبها غرض كيدي. 2. تعزيز الدور التقديري للقضاء: عبر تحويل بعض الوسائل الإثباتية من "حجية قاطعة" إلى "مجرد تصريحات" تخضع لتمحيص المحكمة. 3. المشروعية والنزاهة: التأكيد على أن الدليل لا يعتد به إلا إذا استجمع شروط الصحة الشكلية والجوهرية وابتعد عن شبهة الإكراه أو التزوير. ثانياً: أهداف المشرع من خلال المستجدات يمكن تلخيص الأهداف المتوخاة من هذه الإصلاحات في النقاط التالية: • عقلنة الاعتداد بشهادة المتهم: عبر وضع ضوابط للمادة 286، تمنع إدانة متهم بناءً على تصريحات متهم آخر ما لم تكن هذه التصريحات معززة بقرائن قوية ومتماسكة، وذلك لقطع الطريق على الاتهامات الكيدية. • إعادة الاعتبار للقيمة القانونية للمحاضر: حيث استبدل المشرع عبارة "يؤثق بمضمونها" بعبارة "يعتد بالمحاضر" في الجنح (المادة 290)، وهو ما يرفع عنها صفة "القطعية المطلقة" ويجعلها قابلة للمناقشة والدحض بكافة وسائل الإثبات الأخرى، تحقيقاً للتوازن بين قوة المحضر وحقوق الدفاع. • مواكبة التطور التقني لأساليب البحث: من خلال تنظيم شهادة الضابط أو العون المكلف بعملية الاختراق (المواد 325 إلى 347-3)، مع وضع ضمانات تحمي هويتهم وتضمن في الوقت ذاته كشف الحقيقة. ثالثاً: الآثار المترتبة على هذه المستجدات إن تنزيل هذه المقتضيات سيؤدي إلى آثار ملموسة على مستوى الممارسة القضائية: 1. على مستوى السلطة التقديرية: أصبح القاضي الجنائي اليوم يتمتع بهامش أوسع لاستبعاد المحاضر التي لا تنسجم مع واقع الحال أو التي تفتقر للكفاية، دون أن يكون مقيداً بحجية جامدة لا تُكسر إلا بالزور. 2. على مستوى جودة الأحكام: اشتراط تعزيز شهادة المتهم بقرائن خارجية يفرض على القضاء تعليل أحكامه بشكل أعمق، مما يرفع من جودة الصياغة القضائية ويقلص من نسب الخطأ القضائي. 3. على مستوى حقوق الدفاع: منح الدفاع فرصة أكبر لمناقشة محتويات المحاضر وتصريحات الأغيار، حيث أصبحت هذه الأخيرة "مجرد معلومات" (المادة 291) وليست قدراً محتوماً، مما يفعل مبدأ الحضورية والمناقشة العلنية. خاتمة: إن هذه المستجدات التي جاء بها القانون 03.23 تشكل طفرة تشريعية تكرس التوجهات الحديثة للقضاء المغربي، وتستجيب للاجتهادات المستقرة لمحكمة النقض. وهي بلا شك تضع على عاتقنا، كدفاع، مسؤولية أكبر في تمحيص الأدلة، كما تمنح القضاء الأدوات اللازمة لتحقيق العدالة الناجزة التي لا يضار فيها بريء، ولا يفلت فيها جانٍ بفضل دليل مهتز.